بدء السنة الطقسية حسب الروزنامة الليتورجية للكنيسة المارونية

— 

إنجيل القدّيس متّى 16، 13-20

بدءُ سنة طقسية جديدة ومُغامرة قداسة جديدة مَعَ المَسِيح!

جَاءَ يَسُوعُ إِلى نَواحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيْلِبُّسَ فَسَأَلَ تَلامِيْذَهُ قَائِلاً: «مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَان؟» فقَالُوا: «بَعْضُهُم يَقُولُون: يُوحَنَّا المَعْمَدَان؛ وآخَرُون: إِيْليَّا؛ وغَيْرُهُم: إِرْمِيَا أَو أَحَدُ الأَنْبِيَاء». قَالَ لَهُم: «وأَنْتُم مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وقَال: «أَنْتَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيّ!». فأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بنَ يُونَا! لأَنَّهُ لا لَحْمَ ولا دَمَ أَظْهَرَ لَكَ ذلِكَ، بَلْ أَبي الَّذي في السَّمَاوَات. وأَنَا أَيْضًا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ هُوَ بُطْرُسُ، أَيِ الصَّخْرَة، وعلى هذِهِ الصَّخْرَةِ سَأَبْنِي بِيْعَتِي، وأَبْوَابُ الجَحِيْمِ لَنْ تَقْوى عَلَيْها. سَأُعْطِيكَ مَفَاتيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَات، فَكُلُّ مَا تَربُطُهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَّمَاوَات، ومَا تَحُلُّهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً في السَّمَاوَات». حينَئِذٍ أَوْصَى تَلامِيْذَهُ أَلاَّ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ هُوَ المَسِيح.

تُعلِنُ كنيستُنا اليوم بدء سنةٍ طقسيَّةٍ جديدةٍ. إنه عيدُ رأس السنة الطقسيّة المسيحيّة. لذا ستتناول كلمتُنا اليوم هذا الموضوع بهدف فتح كُلّ الفُرَص المُتاحة كي يستطيع كُلُّ مؤمنٍ بالمسيح، خلال هذه السنة الجديدة، أن يخوضَ مُغامرةً قداسة جديدة مع المسيح!

مِن هذا المُنطلق وللوصول الى الهدفِ المرجوّ، سنحاول اليوم الإجابة على سؤالَين فقط:

  1. ما هي الليتورجيا وبالتالي كيف نُحدّد السنة الطقسية المسيحية؟
  2. كيف نحيا مغامرة قداسة جديدة مع المسيح خلال هذه السنة؟

 

  1. ما هي الليتورجيا وبالتالي كيف نُحدّد السنة الطقسية المسيحية؟

كلمة ليتورجيا في اللغة اليونانية القديمة «Liturgiky» مُشتقّة من كلمة «Liturgia»، المركّبة من «Laos» أو «Leitos» أي شعب، و«Ergon» أيّ عمل. ففي أثينا، كانت تعني «عمل عام» أو «خدمة عامة» تعود بالفائدة لمصلحة الشعب. ومن ثَمّ اتّخذت مدلولاً دينياً فباتت تعني أيّة «عبادة شعبيّة» أو خدمة للآلهة. واليوم في مفهومنا المسيحي هي تَعني خدمة الأسرار الكنسيّة على أنواعها بحسب طقس كُلِّ كنيسة.

هدفُ هذه الخِدَمُ الروحيّة مُساعدة المؤمن كي يَتَّحِد يومًا بعد يوم بالمسيح، ابن الله الحيّ، وبالتالي مِن أجلِ بلوغِ ميناءَ الحياةِ الأبديّة. لذا وعلى مدارِ سنة، نظّمت كُلّ كنيسة بحسب تقليدها الخاص هذه الخِدَم الأسراريّة المُتنوِّعة كي تُكوِّن أزمنةً روحيةً رمزية مُتتابعة تُحيي ذِكرى مراحِلَ تاريخ خلاصِ يسوع المسيح على أَرضِنا. على سبيل المثال، السنة الطقسية المارونيّة الإنطاكية السريانيّة التي تبتدئ بالأحد الأوّل من تشرين الثاني، أحد تجديد وتقديس البيعة وتنقسم الى سبعة أزمنة: زمن التجسّد – زمن الدنح – زمن التذكارات الثلاث – زمن الصوم وأسبوع الآلام المُقدّسة – زمن القيامة – زمن العنصرة – زمن ارتفاع الصليب المُقدّس.

 

  1. كيف نحيا مغامرة قداسة جديدة مع المسيح خلال هذه السنة؟

السنة الطقسية ليست تكراراً روتينياً للمناسبات والأعياد بل هي حركة لولبية تصاعدية (Ellipse ascendante). أي كل سنة تعيش الكنيسة ويعيش المؤمن اختبارات أكثر عمقاً وأكثر إيماناً وأكثر ارتقاءً بمشروع المسيح بهدف الوصول الى جوهر أسراره، فهوَ سيدُ الزمن لأنَّهُ القدوس مُقدّس القدّيسين مع الآب وبقوَّةِ الروح القدس.

في خِضمِّ هذه الأزمنة الروحية والنِعَم الوفيرة التي يُفيضُها الله علينا، تدعو الكنيسة كُلَّ مؤمِنٍ بالمسيح الى عيشِ مُغامرة قداسة جديدة مع المسيح! هذه المُغامرة هي أروع ما يُمكن أن يَصِل إليهِ الإنسان مِن سموّ ورُقيّ. لماذا؟

لأنها:

  • اكتشافٌ مُقدِّس لقدّوسِ الله وخبرةُ حُبٍّ ورَحمَةِ إلهية معَ كلمةِ إنجيلِهِ وأسرارهِ المُقدَّسة: الغوصُ في الكتاب المُقدّس بحسب قراءات كُلِّ زمن مِن أزمنةِ السنة الطقسية يُقدّسنا لأنّ كلماتِ القدّوس تدخُلُ الى عُمقِ أعماقِنا لترفعنا. المُشاركة في الأسرارِ الإلهية بهدف الغوصِ في معانيها ورموزها فهذه أيضًا تُدخِلُنا في عُمقِ سرِّ الله لنختار حُبَّهُ ورحمتَهُ الفائقين الطبيعة.

 

  • شوقٌ مُستمرّ للحياةِ الأبديّة ونبعُ فرحٍ وسلام ورجاءٍ للقلب. هذه الخبرة السامية مع كلمةِ الله وأسرارِ كنيستِهِ، تُشعِلُ شوق الحياةِ الأبديّة في قلبِ الإنسان. الحياةِ الأبديّة التي تبدأ هنا والآن وتنتهي في العالمِ الآتي. ونارُ الأبديّةِ في الإنسان هي نارٌ ترفعُ الإنسان مِن سجنِ الأرض فيُصبح في العالم دون أن يكونَ مِن العالم. ما أجملَهُ شعورٌ روحيّ يرفعُ بقلبِ الإنسانِ لدرجةِ الانخطافِ الكُلّي الى السماءِ السابعة. إنها حالةٌ سلامٍ ورجاءٍ ضدَّ كُلِّ حربٍ ويأسٍ لا يُطاق.

 

  • انطلاقةُ مشروعِ توبةِ كَمَالٍ إنسانيّ في قلبِ لاهوتِ الله أيّ مشروعِ تأليهٍ شامل لإنسانيّتنا الهشّة واكتمالٍ لقداستنا. مَن يدخُل في سرِّ الله ويحيا نشوَةَ سمائهِ على الأرض لا يستطيع إلا أن يحيا توبةً شاملة ويبدأ بمشروعِ تقديسهِ رويدًا رويدًا. ويعِي نقاطَ ضُعفِهِ وبنعمةِ الله المُقدّسة يكشفُ إرادةِ الله في حياته فيستسلِمَ الى الصلاة وجهادِهِ الشخصي حتى يتغلّب مِن انتصارٍ الى انتصارٍ على ضَعفهِ حتى اكتمالِ قداسته. طوبى لمن يُكمل مشروعَ عِ قداستِهِ بينَ يديّ الله وبشفاعةِ قدّيسيه وخاصة أمّ الله مريم.

 

  • رسالةُ تبشيرٍ مِن أجلِ تَقديسِ العالم. نعم! إنها ثمرةُ المغامرة وغايتُها المجيدة. «الويلُ لي إن لم أبشّر…» يقولُ القدّيسُ بولس. والتبشيرُ هو علامةُ نجاحِ المغامرة. فمَن لم يبدأ بعد بالتبشير حاملاً في قلبِهِ جُرأةَ القدّوس فهو لم يصل بعد الى نضوجٍ ِ روحيّ في مغامرته مع الربّ كي يدفعه بقوّة القدّوس لبدء مُغامرةٍ جديدة مع قريبهِ أو أقربائهِ. طوبى لمَن كان شفيعًا حقيقيًا لقداسةِ قريبِهِ لأنَّهُ سيُفرحَ قلبَ الله في سمائهِ.

قصةٌ وعبرة: في يومٍ مِن الأيام وكعادتهنّ م، ثلاثُ نساءٍ ذَهَبنَ الى السوق. وتوقَّفنَ فجأة أمامَ محلِّ المجوهرات، حين أهبرنَهُنَّ عقدٌ مِنَ اللآلئ الغالِي الثمن. فقالت إحداهُنَّ: ما أجملَ هذا العقدُ، لو كُنتُ أملكُ المال الكافي لكُنتُ اشتريتُهُ مِن دونِ تردّد. وقالت الثانية: معكِ حقّ، ولكن لوكنتُ أملكُ المالَ الكافي لكُنتُ اشتريتُ المحال بكُلّيتهِ. أمَّا الثالثة فقالت بثقة: أمّا أنا، لو قُدِّرَ لي، لختَرتُ ابنَ الجوهرجي.

← نعم! جمالُ هذا الكونِ وجميعَ مخلوقاتِهِ وممتلكاتهِ هي رائعة ولكن إن كُنَّا نُريد أن نربحَ كُلَّ شيء علينا أن نختار عيش مغامرة الاتحاد بالابن الإلهي هو الذي سيَهَبُنا كَنزَ الحياة الأبديّة الذي لا يزولُ أبدًا.

لنُصلِّي: في بدءِ هذه السنةِ الطقسية، أضعُ ذاتي بينَ يديكَ لأبدأ مُغامرةَ قداسةٍ جديدة ومُتجدّدة للوصولِ الى ربحٍ أكيد لميناء اكتمالِ قداستي وقداسةِ مَن تضعهم في طريقِ رسالتي. فثقتي بكَ يا قدّوسَ الله هي سرُّ سعادتي الأبديّة! آمين!

الأب فادي المير،

كاتدرائية سيدة لبنان في باريس